Skip links

اليمن: المهد المنسي لتجارة القهوة العالمية

كل صباح، يمد مئات الملايين من البشر حول العالم أيديهم نحو فنجان قهوة، دون أن يُعيروا التفكير لسؤال: من أين بدأ هذا الطقس؟ الجواب، الذي يتجاهله كثيرون، يكمن في مدينة ساحلية صغيرة على الطرف الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية: المخا في اليمن. قبل أن تصبح البرازيل عملاقاً في القهوة أو تشتهر كولومبيا بها، كان اليمن المركزَ المطلق للتجارة العالمية للقهوة — وقد أسدل العالم النسيان على هذا الإرث الاستثنائي.

من المرتفعات إلى العالم

تبدأ قصة القهوة في اليمن في مرتفعات منطقة حراز الضبابية والمنطقة المحيطة بصنعاء. نبتة Coffea arabica — الجنس ذاته الذي ينتج معظم قهوة العالم المتخصصة اليوم — كانت تنمو برياً في هذه المرتفعات. كان الصوفيون اليمنيون من أوائل من زرعوها وأعدوا منها مشروباً بصورة مقصودة، يستخدمونها للبقاء يقظين خلال صلواتهم الليلية الطويلة منذ القرن الخامس عشر. ومن الأديرة، انتشرت ثقافة القهوة إلى المدن، ومن المدن إلى الموانئ.

ميناء المخا: بوابة القهوة إلى العالم

لقرنين كاملين تقريباً — من حوالي 1450 إلى 1650م — احتكرت مدينة المخا الساحلية التجارةَ العالمية للقهوة احتكاراً استثنائياً. كانت كل حبة قهوة تُستهلك في الإمبراطورية العثمانية وفارس والهند وأوروبا تمر عبر هذا الميناء. وأصبح اسم “المخا” مرادفاً للقهوة لدرجة أننا لا نزال نستخدمه حتى اليوم للإشارة إلى القهوة بنكهة الشوكولاتة — صدى ثقافي لهيمنة يمنية طُويت في ذاكرة التاريخ.

كيف حمى اليمن احتكاره

كان التجار والمسؤولون اليمنيون يحرسون احتكارهم للقهوة بشراسة. ابتكروا حيلة ذكية لمنع المنافسين من زراعة قهوتهم الخاصة: كانت جميع حبوب القهوة المُصدَّرة من المخا تُحمَّص أو تُغلى أولاً، مما يجعلها عقيمة وغير قادرة على الإنبات. لأجيال متعاقبة، نجحت هذه الاستراتيجية نجاحاً تاماً: للعالم أن يشرب القهوة اليمنية، لكن لا يزرعها في أي مكان آخر.

كسر الاحتكار

انكسر الاحتكار في نهاية المطاف مطلع القرن السابع عشر. يُقال إن حاجاً مسلماً يُدعى بابا بودان هرّب سبع بذور قهوة خصبة من اليمن إلى منطقة شيكماغالور في الهند، مخبأةً في لحيته، نحو عام 1600م. ثم حصلت شركة الهند الشرقية الهولندية على نباتات حية وبدأت زراعة القهوة في جاوة بإندونيسيا — إيذاناً ببدء نهاية هيمنة اليمن الحصرية على إمدادات القهوة في العالم. وسرعان ما نشرت القوى الاستعمارية زراعة القهوة في الأمريكتين، لتُعاد رسم خريطة القهوة العالمية إلى الأبد.

القهوة اليمنية اليوم: إرث حي

على الرغم من قرون من المنافسة، لا تزال القهوة اليمنية من أثمن أنواعها في العالم. تنتج مزارع منطقتَي حراز وبني مطر المدرّجة القديمة القهوةَ بأساليب لم تتغير كثيراً منذ القرن الخامس عشر — تجفيفاً طبيعياً على الثمرة، غالباً في قشرتها (القشر)، منتجةً نكهات من الفواكه المجففة والنبيذ والتوابل البرية التي لا تستطيع أي منطقة قهوة أخرى في العالم محاكاتها. تُحقق القهوة اليمنية المتخصصة بعض أعلى الأسعار في العالم اليوم، شهادةً على إرث يستحق اعترافاً أكبر بكثير مما يناله.

دَين عالم القهوة

في المرة القادمة التي تشرب فيها قهوة — سواء كانت بور أوفر كولومبية، أو إثيوبية طبيعية، أو إسبريسو برازيلي — تذكّر أن السلسلة بأكملها بدأت في اليمن. أساليب الزراعة، وطرق التجارة، والمفهوم ذاته للمقهى: كل الطرق تعود إلى مزارع الجبال وميناء المخا الأسطوري. هذا دَين على عالم القهوة، ودَين لا ينبغي أن يُنسى.

This website uses cookies to improve your web experience.