أصول القهوة اليمنية: حرَّاز وبني مطر ومهد التجارة العالمية
يعرف كثيرون أن القهوة نشأت في إثيوبيا، لكن القليلين يدركون أن العالم تعلّم تجارة القهوة من اليمن. لقرون طويلة، كان ميناء المخا على ساحل البحر الأحمر هو البوابة الوحيدة التي عبرت منها حبوب القهوة إلى جزيرة العرب وفارس والأناضول وأوروبا. وكلمة “موكا” الشهيرة ما هي إلا تذكير بهذا الفصل المنسي من تاريخ القهوة.
الجبال التي غيّرت العالم
تنمو قهوة اليمن في أشد التضاريس على وجه الأرض درامية. المزارع المدرّجة في المرتفعات الغربية — المحفورة على منحدرات جبلية حادة بين 1500 و2500 متر فوق مستوى البحر — تُزرع منذ خمسة قرون متواصلة. يعمل المزارعون هنا بأساليب لم تتغيّر منذ القرن الخامس عشر: لا أسمدة صناعية، ولا ري اصطناعي، بل أمطار الجبل فحسب، وأصناف يمنية عريقة لا توجد في أي مكان آخر على الأرض.
حرَّاز: تاج القهوة اليمنية
بين مناطق إنتاج القهوة في اليمن، تُعدّ حرَّاز — المتمحورة حول مدينة منخة في محافظة صنعاء — الأرفع جودةً على الإطلاق. على ارتفاعات تتجاوز 2000 متر، تكون الأيام دافئة والليالي قارسة البرد، مما يُفضي إلى نضوج بطيء لثمرة القهوة يُولّد تعقيداً استثنائياً في نكهة الحبة.
تُعالَج قهوة حرَّاز عادةً بالطريقة الطبيعية (الجافة) — تُنشر الثمار على الأسطح أو الأسِرّة المرفوعة وتُجفَّف بالشمس كاملةً لأسابيع. يُنتج هذا التلامس المطوّل بين اللبّ والحبّة نكهات جعلت من القهوة اليمنية أسطورة: الفواكه المجففة والشوكولاتة الداكنة ونكهات نبيذية وجسم كثيف لا شبيه له في أفريقيا أو أمريكا اللاتينية.
بني مطر: أصناف عريقة ونكهة لا تتكرر
جنوب غرب صنعاء، تزرع منطقة بني مطر قهوتها على ارتفاعات مماثلة. ما يجعل هذه المنطقة استثنائية بحق هو التنوع الجيني الهائل لأشجار قهوتها. زرع مزارعو اليمن على مدى أجيال متعاقبة مئات الأصناف المحلية — يُطلق عليها مجتمعةً “اليمينية” أو أصناف الإرث اليمني — وكثير منها لا يوجد في أي بقعة أخرى من العالم.
كثير من هذه الأشجار معمّرة، تنبثق بين جدران المدرّجات الحجرية التي صمدت لأجيال. الحبوب صغيرة وغير منتظمة بالمقاييس التجارية، لكن محمّصي القهوة المتخصصة الذين يتعاملون مع القهوة اليمنية يرون في هذه “العيوب” مصدرَ الطابع البري المعقد الذي يُميّزها.
ميناء المخا وتجارة القهوة العالمية
منذ القرن الخامس عشر، كانت جميع القهوة التي تصل إلى خارج اليمن تعبر عبر ميناء المخا. احتفظ التجار اليمنيون الصوفيون بشبه احتكار كامل للتجارة العالمية للقهوة قرابة قرنين، إذ كانوا يمنعون خروج أي نبتة حية أو بذرة صالحة للإنبات من اليمن.
انكسر هذا الاحتكار مطلع القرن الثامن عشر حين تمكّن تجار هولنديون من تهريب نباتات قهوة حية إلى جاوة في إندونيسيا. وفي غضون عقود، انتشرت القهوة في المناطق الاستوائية حول العالم. لكن المادة الجينية التي أطلقت صناعة القهوة العالمية بأسرها تعود في نهاية المطاف إلى تلك المزارع الجبلية اليمنية.
القهوة اليمنية اليوم
عانت صناعة القهوة اليمنية من صعوبات جسيمة جراء النزاع المستمر. غير أن القهوة اليمنية لم تختفِ. تواصل المنظمات العاملة مع مجتمعات المزارعين المحليين إيصال كميات صغيرة إلى أسواق القهوة المتخصصة الدولية، حيث تحقق باستمرار بعض أعلى الأسعار بين أنواع القهوة في العالم.
لمحبي القهوة في المملكة العربية السعودية ودول الخليج — حيث تُجلّ القهوة اليمنية منذ قرون — ثمة شيء عميق في تذوق فنجان من حرَّاز أو بني مطر: اتصال مباشر بالأصول الأولى لثقافة القهوة التي باتت اليوم تغطي الكرة الأرضية.