أصول القهوة: من إثيوبيا إلى العالم
كل صباح، يمد مليارات البشر حول العالم أيديهم نحو فنجان القهوة دون أن يتوقفوا لتساؤل: من أين بدأت هذه الطقوس؟ الجواب يأخذنا إلى أكثر من ألف سنة مضت، إلى المرتفعات الخضراء في إثيوبيا — مهد القهوة كما نعرفها اليوم.
أسطورة كالدي
أشهر قصص النشأة تعود إلى راعي ماعز إثيوبي شاب يُدعى كالدي. تقول الحكاية إنه في حوالي عام 850 ميلادي، لاحظ كالدي ماعزه يتصرف بشكل غريب بعد رعيه حبات حمراء من شجيرة معينة. كانت الماعز تتراقص وترفض النوم وتبدو مليئة بطاقة لا تنضب. فضولاً، تذوق كالدي الحبات بنفسه — وشعر باليقظة تغمره.
أحضر الحبات إلى دير قريب، فرمى أحد الرهبان المتشككون في “ثمرة الشيطان” الحبات في النار. لكن بدلاً من الدمار، أطلقت النار رائحة سماوية ملأت الغرفة. أخرج الرهبان الحبات المحمصة من الجمر، وأذابوها في الماء الساخن، وشربوا أول فنجان قهوة في التاريخ. ظلوا مستيقظين طوال صلوات المساء الطويلة — وهكذا وُلد تقليد باقٍ حتى اليوم.
من الغابة إلى الفنجان: القهوة في إثيوبيا القديمة
قبل الأسطورة بكثير، كانت نباتات القهوة البرية — Coffea arabica — تنمو طبيعياً في غابات منطقة كافا بجنوب غرب إثيوبيا. كان السكان المحليون، ومن بينهم شعب الأورومو، يمضغون الحبات ممزوجةً بالشحم الحيواني لاستمداد الطاقة والقدرة على التحمل خلال رحلات الصيد والأسفار الطويلة. هذا الشكل الخام من استهلاك القهوة يسبق أي مفهوم لـ”مشروب القهوة” بقرون.
لم يبدأ تحضير القهوة كمشروب ساخن إلا بين القرنين العاشر والخامس عشر الميلاديين، أولاً في إثيوبيا ثم في شبه الجزيرة العربية المجاورة — حيث ستنكشف الفصول الكبرى التالية في تاريخ القهوة.
الجزيرة العربية: حيث أصبحت القهوة مشروباً
بحلول القرن الخامس عشر، كان الصوفيون في اليمن يزرعون القهوة ويحضرونها بشكلها المعروف. أطلقوا عليها اسم قهوة — الكلمة التي ستتطور لاحقاً إلى “coffee” في الإنجليزية. أصبحت مدينة موكا (المخا) أول مركز تجاري كبير للقهوة في العالم، ترسل الحبات في أنحاء العالم العربي وما وراءه. ولفترة من الزمن، احتكرت اليمن الإنتاج العالمي للقهوة، تحرس بإحكام بذورها من التصدير.
تشابكت القهوة بعمق مع الثقافة الإسلامية: أعانت على الصلاة، وأججت العلم، وجمعت المجتمعات. تبنّاها العثمانيون بحماس، وبحلول القرن السادس عشر، انتشرت المقاهي — القهوخانة — من القسطنطينية إلى القاهرة، لتصبح مراكز اجتماعية وفكرية لمدنها.
القهوة تصل إلى أوروبا — والعالم
جلب المسافرون الأوروبيون القهوة من الشرق الأوسط في القرن السابع عشر، فأثارت الاهتمام والجدل معاً. وصفها بعضهم بـ”خمر الإسلام” أو “الاختراع المر للشيطان”. ويُروى أن البابا كليمنت الثامن، حين طُولب بتحريمها، تذوقها أولاً فأعلن أنها لذيذة جداً لأن تُترك للكفار وحدهم.
بحلول منتصف القرن السابع عشر، انتشرت المقاهي انتشاراً مذهلاً في لندن وباريس وفيينا. أصبحت ملتقيات للجدل والأعمال والثورة — فمؤسسة لويدز للتأمين ببدأت مقهىً؛ وخُطّطت الثورة الفرنسية جزئياً في مقاهي باريس.
كسر التجار الهولنديون في نهاية المطاف احتكار اليمن بتهريب نباتات القهوة إلى جاوة وسيلان، ثم إلى الأمريكتين. وبحلول القرن الثامن عشر، كانت البرازيل — أكبر منتج للقهوة في العالم اليوم — قد أسّست مزارعها الأولى، وترسّخت صناعة القهوة العالمية.
إرث حي
لا تزال إثيوبيا تحتفي بإرثها القهوي من خلال حفل البُنا — طقس اجتماعي متعدد الساعات يشمل تحميص الحبات وطحنها وتحضيرها ومشاركتها مع الجيران. إنه في آنٍ واحد فعل اجتماعي وروحي، يربط الناس بقرون من التقاليد. وفي عام 2003، نجحت إثيوبيا في تسجيل علامات تجارية لأسماء مناطقها القهوية — يرغاشيفي وسيدامو وهرر — في خطوة تاريخية للحفاظ على هوية وقيمة أثمن هبة قدّمتها للعالم.
من اكتشاف راعي الماعز في مرتفعات إثيوبيا إلى ماكينة الإسبريسو على رف مطبخك، قطعت القهوة رحلة استثنائية — حاملةً معها نكهات وطقوس وقصص كل حضارة لمستها.