Skip links

طقوس القهوة حول العالم: من حفل البُنا الإثيوبي إلى الإسبريسو الإيطالي

القهوة عالمية، لكن طريقة تحضيرها وتقديمها وتناولها شخصية بشكل لافت — تشكّلت على مدى قرون من الثقافة والجغرافيا والهوية. السفر عبر طقوس القهوة في أرجاء العالم يجعلنا ندرك أن فنجان القهوة لم يكن يوماً مجرد فنجان قهوة. إنه تحية، أو تأمل، أو فعل ضيافة، أو إعلان يومي هادئ عمّن أنت.

إثيوبيا: حفل البُنا

في إثيوبيا، مهد القهوة، يُعامَل الشراب بتبجيل عميق. يُعدّ حفل البُنا (القهوة) أحد أهم الطقوس الاجتماعية في الثقافة الإثيوبية، ويُقام حتى ثلاث مرات في اليوم ويستغرق من ساعتين إلى ثلاث ساعات كاملة.

يبدأ الحفل بقيام المضيفة بغسل حبوب القهوة الخضراء الخام ثم تحميصها في مقلاة فوق نار مكشوفة مع التقليب المستمر. ومع اسوداد الحبوب وتفقعها، تحمل المقلاة وتدور بها في أنحاء الغرفة ليستنشق الضيوف الرائحة — لفتة تُعدّ بركةً. تُطحن الحبوب في هاون خشبي، وتُحضَّر في إبريق طيني تقليدي يُسمى جبنة، وتُسكب من على ارتفاع في أكواب صغيرة بلا مقابض تُعرف بـسيني.

تُقدَّم ثلاث جولات من القهوة: الأولى أبول وهي الأقوى؛ والثانية تونا وهي أخف؛ والثالثة باراكا (ومعناها “البركة”) وهي الأهدأ. المغادرة قبل الجولة الثالثة تُعدّ قلةَ لياقة. الحفل لا يتعلق بالكافيين بقدر ما يتعلق بالتواصل — طقس من الحضور والصبر والمجتمع.

تركيا: القهوة والطالع

القهوة التركية ليست مجرد مشروب — إنها مؤسسة ثقافية تعترف بها اليونسكو تراثاً ثقافياً غير مادي. تُحضَّر في وعاء نحاسي أو برونزي صغير يُسمى جزوة، إذ يُطهى القهوة المطحونة ناعماً ببطء مع الماء والسكر (إن رغب أحد)، دون غليان، وتُسكب بثفلها في أكواب صغيرة. الرغوة الكثيفة على السطح — القشطة — فخر المُحضِّر؛ لا بد للفنجان الجيد أن يعلوه.

لكن الطقوس لا تنتهي عند الشرب. حين يفرغ الفنجان، يُوضع الصحن فوقه ويُقلب رأساً على عقب. وبعد أن يبرد، يقرأ أحدهم الأشكال التي خلّفتها ثفالة القهوة — ممارسة تُعرف بـتاسيوغرافيا أو فال القهوة. سواء أُخذت مأخذ الجدية أم لا، فإنها تحوّل مشروباً بسيطاً إلى حدث اجتماعي، لحظة من الغموض المرح يتشاركها الأصدقاء.

في تركيا، تحمل القهوة ثقلاً عاطفياً أيضاً. قبيل الزواج، تزور عائلة العريس بيت العروس وتُقدّم العروسُ القهوةَ لجميع الضيوف. وتقليدياً تُقدّم للعريس قهوة مالحة — ويُقال إن ردّ فعله يكشف عن طبيعته.

إيطاليا: الإسبريسو أسلوب حياة

في إيطاليا، القهوة ليست خياراً في أسلوب الحياة — إنها الحياة ذاتها. تحكم العلاقة الإيطالية مع الإسبريسو قواعد غير مكتوبة لكنها مُلزِمة بصرامة: تشربه واقفاً عند الحانة وبسرعة؛ لا تطلب كابتشينو بعد الحادية عشرة صباحاً؛ لا تحمله معك في كوب ورقي. هذه ليست تفضيلات — إنها قوانين ثقافية.

المقهى الإيطالي (bar، الذي يقدم القهوة أساساً لا الكحول) نبضة الحي. يعرف الباريستا اسمك وطلبك. يصل الإسبريسو في ثوانٍ، يُشرب في رشفتين أو ثلاث، مع كوب ماء صغير على الجانب. المعاملة بأكملها فعّالة، طقسية، ومُرضية في أعماق النفس — علامة ترقيم يومية في إيقاع الحياة الإيطالية.

تذهب نابولي في ثقافة الإسبريسو أبعد من ذلك مع تقليد كافيه سوسبيسو — “القهوة المعلّقة”. يدفع الزبون ثمن قهوتين ويشرب واحدة، ويترك الأخرى “معلّقة” لمن لا يملك ثمنها. إنه فعل كرم مجهول يعود إلى أحياء المدينة العمالية، وقد انتشر مؤخراً عبر أوروبا رمزاً للتضامن.

المملكة العربية السعودية والخليج: القهوة العربية

في شبه الجزيرة العربية، القهوة التقليدية المُقدَّمة هي القهوة العربية — مشروب ذهبي شاحب يُصنع من حبوب القهوة الخضراء المحمصة خفيفاً، ويُعطَّر بالهيل والزعفران وأحياناً ماء الورد. لا يشبه في مظهره ولا طعمه القهوة الغربية: خفيف، عطري، يُقدَّم غير محلى في أكواب صغيرة بلا مقابض تُسمى فنجان، يُعيد المضيف ملأها باستمرار حتى يُشير الضيف بميلان خفيف للكوب.

القهوة العربية لا تنفصل عن الكرم. رفضها في بيت مضيف هو رفض لترحيبه. تصاحب التمر والمفاوضات والاحتفالات على حد سواء. وقد غدا الإبريق الكبير المزخرف — الدلّة — رمزاً بالغ الدلالة على هوية الخليج يزيّن عملات ونُصباً ورموزاً وطنية في أرجاء المنطقة.

السويد: الفيكا

الفيكا السويدية ربما هي الطقس القهوي الأكثر تميزاً فلسفياً. إنها ليست مجرد استراحة قهوة — بل توقف مقصود عن متطلبات العمل والحياة، يُؤخذ مع الآخرين، ويتمحور حول القهوة وشيء حلو. تعمل كلمة fika اسماً وفعلاً في آنٍ معاً: يُقال إن “عندنا فيكا” وإنهم “يُفيكون”.

في أماكن العمل السويدية، الفيكا شبه إلزامية — مرتين يومياً، يتوقف العمل ويتجمع الزملاء. وهي مفهومة باعتبارها ضرورة ليس فحسب للروح المعنوية، بل للإنتاجية أيضاً: البشر يعملون بشكل أفضل حين يتواصلون، والفيكا توفر الإطار لهذا التواصل. إنها اعتراف ثقافي بأن الراحة ليست نقيض العمل، بل أساسه.

حبة واحدة، تعبيرات لا تُحصى

من الجبنة الطينية في قرية إثيوبية إلى ماكينة الإسبريسو اللامعة في حانة ميلانية، ألهمت الحبة القهوية المتواضعة ذاتها تنوعاً مذهلاً من الطقوس الإنسانية. يعكس كل تقليد شيئاً جوهرياً عن الثقافة التي أوجدته — علاقتها بالوقت، والضيافة، والمجتمع، والمتعة.

أن تشرب قهوتك بتأمل هو أن تشارك في هذه التقاليد جميعها في آنٍ واحد. في المرة القادمة التي ترفع فيها فنجانك، فكّر: أيّ يدٍ حملت هذا الطقس إليك؟

Leave a comment

This website uses cookies to improve your web experience.