Skip links

القهوة والإمبراطورية العثمانية: أول ثقافة مقاهٍ في العالم

قبل أن يفتح أول فرع لستاربكس أبوابه، وقبل ثقافة المقاهي الباريسية وبارات الإسبريسو الإيطالية، كانت هناك إسطنبول — حيث وُلدت أولى ثقافات المقاهي في العالم في قلب الإمبراطورية العثمانية. قصة القهوة والعثمانيين هي من أكثر الفصول رواءً في تاريخ الطعام والشراب، حكاية تمزج السياسة والشعر وحبة بُنّ صغيرة محمّصة غيّرت العالم.

وصول القهوة إلى إسطنبول

كانت القهوة تُستهلك في اليمن والحجاز لعقود قبل أن تصل إلى العاصمة العثمانية. وصلت إلى إسطنبول حوالي عام 1555م على يد تاجرَين شاميَّين — حكم من حلب وشمس من دمشق — اللذَين افتتحا أول مقاهٍ معروفة تُسمى قهوة خانه في حي طاحتقلع قرب البازار الكبير. بين عشية وضحاها، أصبحت هذه المنشآت لا مثيل لها في المدينة.

القهوة خانه: أكثر من مجرد مكان للشرب

لم تكن المقهى العثماني مجرد مكان لتناول مشروب ساخن، بل كان مؤسسة اجتماعية — قسط من الصالون الأدبي وقسط من قاعة النقاش ومكان للترفيه. كان يتجمع فيه رجال من كل مناحي الحياة: علماء وتجار، وشعراء وإنكشاريون، وحرفيون ومسؤولون حكوميون. مقابل ثمن فنجان قهوة، كان المرء يقضي ساعات في حديث شائق، يستمع إلى حكواتي، يلعب الطاولة، أو يسمع آخر أخبار السياسة. لذا عُرفت القهوة خانه بـ“مدرسة العقلاء” (مكتب عرفان).

القهوة والبلاط العثماني

اخترقت القهوة بسرعة أعلى مستويات المجتمع العثماني. بحلول عهد سليمان القانوني، أصبحت القهوة ركيزة ثابتة في حياة القصر. ابتكر البلاط الإمبراطوري منصباً خاصاً — قهوجي باشي أو رئيس صانعي القهوة — وهو دور مرموق يضطلع بإعداد قهوة السلطان. كان إعداد القهوة طقساً متقناً، تُعطَّر بالهيل، وكان تقديمها فناً قائماً بذاته.

الجدل ومحاولات الحظر

لم يرحّب الجميع بالمقاهي. رأت السلطات الدينية والشخصيات السياسية في هذه الأماكن مصدر قلق وريبة. حين يمضي الرجال ساعات في المقاهي يتداولون السياسة، يقلق الحكام. أصدر السلطان مراد الرابع حظراً شهيراً على المقاهي في القرن السابع عشر، وروت الروايات أنه أعدم من وُجد يشرب القهوة علناً. بيد أن حظراً لم يكن في وسعه قمع هذه الثقافة. كانت المقاهي تُغلق ثم تعود للانفتاح، والناس يجدون دوماً طريقهم إلى مشروبهم الحبيب.

النموذج العثماني لثقافة المقاهي الأوروبية

حين امتدت طرق التجارة العثمانية والبعثات الدبلوماسية عبر أوروبا، سافرت معها القهوة ومفهوم المقهى. افتُتح أول مقهى في فيينا عام 1683م عقب الحصار العثماني للمدينة، ويُقال إنه استُعمل بُنٌّ تركه الجنود العثمانيون المنسحبون. وكانت مقاهي لندن التي بدأت تُفتح منذ خمسينيات القرن السابع عشر — وأصبحت مهد مؤسسات كلويدز وبورصة لندن — مستوحاةً مباشرةً مما شاهده المسافرون في إسطنبول والقاهرة.

إرث يتجاوز القرون

لم تختفِ تقاليد المقهى العثماني قط — بل تطوّرت فحسب. لا تزال القهوة خانه في تركيا مؤسسة ثقافية حية حتى يومنا هذا. وفي كل مرة تجلس فيها في مقهى، تحتسي كوباً معداً بعناية، وتنغمس في حديث مع الأصدقاء، فأنت تشارك في تقليد أهدته الإمبراطورية العثمانية للعالم منذ أكثر من خمسة قرون. تلك الحبة الصغيرة القادمة من اليمن غيّرت إمبراطورية — ومن خلالها غيّرت العالم.

This website uses cookies to improve your web experience.