Skip links

المشروب المحظور: حين حاولت الحكومات تجريم القهوة

يصعب تخيّل عالم تكون فيه القهوة محظورة، حيث قد يكلّفك إعداد فنجان منها جلداً أو غرامة أو حتى الإعدام. لكن القهوة كانت على مرّ التاريخ من أكثر المواد التي طالها الحظر وأثارت الجدل. حاولت حكومات وسلطات دينية وحكام في العالم الإسلامي وأوروبا وما وراءهما مراراً قمع هذا المشروب. وفشلوا في كل مرة. هذه هي قصة الماضي المتمرد للقهوة.

مكة المكرمة، 1511م: أول حظر للقهوة

جرى أول حظر موثق للقهوة في مكة المكرمة عام 1511م، حين أمر الوالي خير بيك بإغلاق القهاوي وتحريم شرب القهوة. كانت دوافعه مزدوجة: اعتقاده بأن القهوة مسكر محرم شرعاً، وريبته الشديدة من القهاوي حيث يتجمع المواطنون ويتناقشون، وكان يخشى أن يتآمروا ضده. جمع مجلساً من الفقهاء والأطباء للبتّ في مشروعية القهوة. بعضهم أيّد الحظر، لكن عمره كان قصيراً. أبطله السلطان العثماني في غضون أشهر، معلناً أن القهوة مشروعة تماماً. نُفّذ حكم الإعدام في خير بيك لاحقاً لأسباب أخرى، لكن المفارقة لم تخفَ على التاريخ.

القاهرة والعالم العربي: حظر متكرر

أرسى حظر مكة سابقة لما تبعه. طوال القرن السادس عشر، اشتعلت موجات حظر القهوة في أرجاء العالم العربي، في القاهرة وأجزاء من الإمبراطورية العثمانية ومدن الحجاز المختلفة. النمط كان واحداً دائماً. تحظر السلطات القهوة، فيحتج المواطنون أو يتجاهلون القرار ببساطة، وفي غضون أسابيع أو أشهر ينهار الحظر تحت وطأة الإقبال الشعبي. كانت القهوة ببساطة أشد شعبية من أن يمكن قمعها.

السلطان العثماني مراد الرابع: الإعدام لشاربي القهوة

جاء أشد حظر دراميةً في عهد السلطان العثماني مراد الرابع، الذي حكم من 1623 إلى 1640م. حظر هذا المستبد الصارم القهوة والتبغ، وجعل مخالفتهما عقوبتها الإعدام. وفقاً للروايات التاريخية، كان يتنكر ويجوب شوارع إسطنبول ليلاً، فيقطع رأس من يُضبط وهو يشرب القهوة. هُدمت القهاوي، ونُفّذ الحظر بوحشية. ومع ذلك، حتى تحت وطأة خطر الإعدام، وجد أهل إسطنبول سبلاً لشرب قهوتهم سراً. وما إن مات مراد عام 1640م حتى أعادت القهاوي فتح أبوابها تقريباً فوراً.

إنجلترا، 1675م: الفشل الذريع لتشارلز الثاني

في عام 1675م، أصدر الملك تشارلز الثاني ملك إنجلترا مرسوماً ملكياً يأمر بإغلاق جميع المقاهي في المملكة. كان قلقه سياسياً صريحاً: تحوّلت المقاهي إلى مراكز للنقاش السياسي والمعارضة، وما وصفه الملك بـ”التقارير الكاذبة الخبيثة والتشهيرية” ضد الحكومة. جاءت ردة فعل الجمهور فورية وعنيفة، لدرجة أن تشارلز اضطر إلى التراجع عن المرسوم بعد أحد عشر يوماً فقط. كان هذا من أسرع تراجعات السياسة الملكية في التاريخ الإنجليزي، وظلت المقاهي مفتوحة.

السويد وبروسيا: الضرائب والقمع

في أوروبا القرن الثامن عشر، انتهجت حكومات عدة نهجاً مختلفاً: لا حظراً صريحاً للقهوة، بل فرض ضرائب باهظة ومحاولة استبدالها ببدائل محلية. حظرت السويد القهوة خمس مرات لا أقل بين عامَي 1756 و1817م. ويُروى أن الملك غوستاف الثالث أمر بإجراء تجربة علمية لإثبات أن القهوة قاتلة، فأمر مجرماً محكوماً بالإعدام بشرب القهوة يومياً مدى حياته. لم تُستكمل التجربة قط، ببساطة لأن الملك نفسه لقي حتفه قبل المحكوم. أما في بروسيا، فحاول فريدريك العظيم توجيه رعاياه نحو البيرة، مُصدراً بياناً يُعلن أن البيرة لا القهوة هي التي غذّت أجيال البروسيين. لم ينجح أيٌّ من هذين المسعيين.

لماذا فشل كل حظر

قصة حظر القهوة هي في نهاية المطاف قصة عن الطبيعة البشرية. كل حكومة حاولت قمع القهوة أخطأت في تقدير شيء واحد: مدى تعلق الناس ليس بالمشروب وحده، بل بكل ما يأتي معه، الدفء والطقس والحديث والمجتمع. لم تكن القهوة يوماً مجرد مشروب. كانت أسلوب حياة، وهذا ما لم يستطع أي قانون تجريمه قط. والحكام الأذكى أدركوا هذا سريعاً، وهو بالضبط ما يجعل الحكام الذين فشلوا هم من صنعوا أفضل القصص.

This website uses cookies to improve your web experience.